سيد محمد طنطاوي

20

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

وقد ذكر العلماء حكما كثيرة لنزول القرآن منجما منها : تثبيت فؤاد النبي صلَّى اللَّه عليه وسلَّم وتقوية قلبه ، ومنها : التدرج في تربية قويمة سليمة ، ومنها : مسايرة الحوادث في تجددها وتفرقها . ومنها تيسير حفظه وتسهيل فهمه ، ومنها : تثبيت قلوب المؤمنين وتسليحهم بعزيمة الصبر واليقين ومنها : الإجابة على أسئلة السائلين ، وبيان حكم اللَّه - تعالى - فيها يحصل من قضايا ، ولفت أنظار المخلصين إلى ما وقعوا فيه من أخطاء ، وكشف حال الكافرين والمنافقين . ومنه : الإرشاد إلى مصدر القرآن وأنه من عند اللَّه - تعالى - ولَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّه لَوَجَدُوا فِيه اخْتِلافاً كَثِيراً . فأنت تقرأ ما نزل على الرسول صلَّى اللَّه عليه وسلَّم من قرآن في مكة . وما نزل عليه في المدينة ، فترى الجميع محكم السرد . دقيق السبك ، رصين الأسلوب ، بليغ التراكيب ، فصيح الألفاظ . . بينما ترى كلام الأدباء والبلغاء يختلف في جودته من وقت إلى وقت « ومن موضوع إلى موضوع » « 1 » . وقد بين - سبحانه - أن هذا القرآن قد نزل مقترنا بأمرين متصلا بهما : أما أولهما فهو قوله : * ( بِالْحَقِّ ) * . وأما ثانيهما فهو قوله : * ( مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْه ) * أي : أن اللَّه - عز وجل - الذي لا إله إلا هو ، والذي هو الحي القيوم ، هو الذي نزل عليك يا محمد هذا القرآن تنزيلا ملتبسا بالحق ، ومصاحبا له ، ومقترنا به ، ومشتملا عليه ، فكل ما فيه من أوامر ، ونواه ، وقصص ، وأحكام ، وعقائد ، وآداب ، وشرائع وأخبار . . حق لا يحوم حوله باطل ، وصدق لا يتطرق إليه كذب . وهو الذي جعل هذا الكتاب المنزل عليك موافقا ومؤيدا لما اشتملت عليه الكتب السابقة من الدعوة إلى وحدانية اللَّه ، وإلى مكارم الأخلاق ، وإلى الوصايا والشرائع التي تسعد الناس في كل زمان ومكان . وهذا يدل على أن الشرائع الإلهية واحدة في جوهرها وأصولها . قال - تعالى - : شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ ما وَصَّى بِه نُوحاً والَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ وما وَصَّيْنا بِه إِبْراهِيمَ ومُوسى وعِيسى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ ولا تَتَفَرَّقُوا فِيه « 2 » . وقوله * ( بِالْحَقِّ ) * متعلق بمحذوف فيكون في محل نصب على الحال من الكتاب . وقوله * ( مُصَدِّقاً ) * حال مؤكدة من الكتاب . أي نزله في حال تصديقه الكتب . وفائدة تقييد التنزيل بهذه الحال حث أهل الكتاب على الإيمان بالمنزل ، وتنبيههم على وجوبه فإن الإيمان بالمصدق يوجب الإيمان بما يصدقه حتما .

--> ( 1 ) إن شئت المزيد من المعرفة عن الحكم والأسرار في تنجيم القرآن فراجع - على سبيل المثال - كتاب « مناهل العرفان في علوم القرآن » ج 1 ص 46 إلى 56 لفضيلة أستاذنا المرحوم الشيخ محمد عبد العظيم الزرقاني . ( 2 ) سورة الشورى آية 13